محمد بن جرير الطبري
326
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قال أبو جعفر : والذي هو أولى بتأويل " الإثم الكبير " الذي ذكر الله جل ثناؤه أنه في الخمر والميسر : ( 1 ) في " الخمر " ما قاله السدي : ( 2 ) زوال عقل شارب الخمر إذا سكر من شربه إياها حتى يعزب عنه معرفة ربه ، وذلك أعظمُ الآثام . وذلك معنى قول ابن عباس إن شاء الله . وأما في " الميسر " ، فما فيه من الشغل به عن ذكر الله وعن الصلاة ، ووقوع العداوة والبغضاء بين المتياسرين بسببه ، كما وصف ذلك به ربنا جل ثناؤه بقوله : ( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ ) [ سورة المائدة : 91 ] * * * وأما قوله : " ومنافع للناس " ، فإن منافعَ الخمر كانت أثمانها قبل تحريمها ، وما يصلون إليه بشربها من اللذة ، كما قال الأعشى في صفتها . لَنَا مِنْ ضُحَاها خُبْثُ نَفْسٍ وَكَأْبَةٌ . . . وذِكْرَى هُمُوم مَا تُغِبُّ أَذَاتُهَا . . . وَعِنْد العِشَاءِ طِيبُ نَفْسٍ وَلَذَّةٌ . . . وَمَالٌ كَثِير ، عِزَّةٌ نَشَوَاتُهَا ( 3 ) وكما قال حسان :
--> ( 1 ) في المطبوعة : " والذي هو أولى بتأويل الآية الإثم الكبير " بزيادة " الآية " سبق بها قلم ناسخ ، وصواب العبارة في حذفها . ( 2 ) في المطبوعة : " فالخمر ما قاله السدي . . . " ، وسياق عبارته يقتضي ما أثبت . ( 3 ) ديوانه : 61 ، والأشربة لابن قتيبة : 70 والبيتان مصحفان تصحيفًا قبيحًا في المطبوعة ، في البيت الأول " صحاها " بالصاد المهملة ، و " ما تفك أداتها " . وفي البيت الثاني " عده نشواتها " وفي الأشربة " عدة " ، وفي الديوان " غدوة نشواتها " ( بضم الغين ونصب التاء بفتحتين ) . ونسخة الديوان أيضًا كثيرة التصحيف ، فآثرت قراءة الكلمة " عزة " . وذلك أن الأعشى يقول قبل البيتين : لَعَمْرُكَ إنَّ الرَّاحَ إِنْ كُنْتَ شاربًا . . . لَمُخْتَلِفٌ آصَالُها وَغَدَاتُها ثم بين في البيت الثاني أنها في " الضحى " - وهو الغدوة - تعقب خبث النفس والكآبة والهموم المؤذية . ثم أتبع ذلك بما يكون عند العشي من طيب النفس واللذة - فلا معنى لإعادة ذكر " الغدوة " مرة أخرى ، بل إنه لو فعل لنقض على نفسه البيت السالف ، فصارت الخمر في الغدوة أو الضحى ، مخبثة للنفس ، ومبهجة لها في وقت واحد ، وهذا باطل . فالصواب عندي أن تقرأ " عزة لنشواتها " ، كقوله أيضًا : مِنْ قَهْوَةٍ بَاتَتْ بِبَابِلَ صَفْوَةٍ . . . تَدَعَ الفَتَى مَلِكًا يَمِيلُ مُصَرَّعًا ويؤيد ذلك أن ابن قتيبة قدم قبل الأبيات السالفة : " وقال في الخمر أنها تمد في الأمنية " ثم ذكر الأبيات ، فمعنى ذلك أنها تريه أنه صار ملكًا عزيزًا يهب المال الكثير إذا انتشى . وقوله : " ما تغب أذاتها " من قولهم : " غب الشيء " أي بعد وتأخر . تقول : " ما يغبك لطفي " أي ما يتأخر عنك يومًا ، بل يأتيك كل يوم ، تعني متتابعًا .